ميرزا محمد تقي الأصفهاني
29
مكيال المكارم
فلما وجدنا اختيار من قد اصطفاه الله للنبوة واقعا على الأفسد دون الأصلح ، وهو يظن أنه الأصلح دون الأفسد ، علمنا أن لا اختيار إلا لمن يعلم ما تخفي الصدور ، وما تكن الضمائر ، وينصرف عنه السرائر ، وأن لا خطر لاختيار المهاجرين والأنصار بعد وقوع خيرة الأنبياء على ذوي الفساد ، لما أرادوا أهل الصلاح . ثم قال مولانا ( عليه السلام ) يا سعد إن من ادعى أن النبي - وهو خصمك - ذهب بمختار هذه الأمة مع نفسه إلى الغار ، فإنه خاف عليه كما خاف على نفسه ، لما علم أنه الخليفة من بعده على أمته ، لأنه لم يكن من حكم الاختفاء أن يذهب بغيره معه ، وإنما أقام عليا على مبيته ، لأنه علم أنه إن قتل لا يكون من الخلل بقتله ما يكون بقتل أبي بكر ، لأنه يكون لعلي من يقوم مقامه في الأمور ، لم لا تنقض عليه بقولك : أولستم تقولون إن النبي ( صلى الله عليه وآله ) قال : إن الخلافة من بعدي ثلاثون سنة ، وصيرها موقوفة على أعمار هؤلاء الأربعة : أبي بكر ، وعمر ، وعثمان ، وعلي ( عليه السلام ) فإنهم كانوا على مذهبكم خلفاء رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ؟ فإن خصمك لم يجد بدا من قوله : بلى . قلت له فإذا كان الأمر كذلك فكما كان أبو بكر الخليفة من بعده ، كان هذه الثلاثة خلفاء أمنة من بعده ، فلم ذهب بخليفة واحدة وهو أبو بكر إلى الغار ؟ ولم يذهب بهذه الثلاثة ؟ فعلى هذا الأساس يكون النبي ( صلى الله عليه وآله ) مستخفا بهم دون أبي بكر فإنه يجب عليه أن يفعل بهم ما فعل بأبي بكر ، فلما لم يفعل ذلك بهم يكون متهاونا بحقوقهم ، تاركا للشفقة عليهم ، بعد أن كان يجب عليه أن يفعل بهم جميعا على ترتيب خلافتهم ما فعل بأبي بكر ، وأما ما قال لك الخصم بأنهما أسلما طوعا أو كرها ؟ لم لم تقل بل إنهما أسلما طمعا وذلك أنهما كانا يخالطان مع اليهود ويخبران بخروج محمد ( صلى الله عليه وآله ) واستيلائه على العرب من التوراة والكتب المقدسة وملاحم قصة محمد ( صلى الله عليه وآله ) ويقولون لهما يكون استيلاؤه على العرب كاستيلاء بخت نصر على بني إسرائيل ، إلا أنه يدعي النبوة ، ولا يكون من النبوة في شئ . فلما ظهر أمر رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ساعدا معه على شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله طمعا أن يجدا من جهة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) ولاية بلد إذا انتظم أمره ، وتحسن باله ، واستقامت ولايته . فلما أيسا من ذلك ، وافقا مع أمثالهما ليلة العقبة ، وتلثما مثل من تلثم منهم ، ونفروا بدابة رسول الله ( صلى الله عليه وآله ) لتسقطه ، ويصير هالكا بسقوطه بعد أن صعد العقبة فيمن صعد ، فحفظ الله تعالى نبيه من كيدهم ، ولم يقدروا أن يفعلوا شيئا وكان حالهما كحال طلحة والزبير إذ